فخر الدين الرازي

226

تفسير الرازي

المنافقون منعوا عن طلب المؤمنين ، وقال آخرون : بل المراد حائط بين الجنة والنار ، وهو قول قتادة ، وقال مجاهد : هو حجاب الأعراف . المسألة الثانية : الباء في قوله : * ( بسور ) * صلة وهو للتأكيد والتقدير : ضرب بينهم سور كذا ، قاله الأخفش ، ثم قال : * ( له باب ) * أي لذلك السور باب * ( باطنه فيه الرحمة ) * أي في باطن ذلك السور الرحمة ، والمراد من الرحمة الجنة التي فيها المؤمنين * ( وظاهره ) * يعني وخارج السور * ( من قبله العذاب ) * أي من قبله يأتيهم العذاب ، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة ، وما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب ، والحاصل أن بين الجنة والنار حائط وهو السور ، ولذلك السور باب ، فالمؤمنون يدخلون الجنة من باب ذلك السور ، والكافرون يبقون في العذاب والنار . ثم قال تعالى : * ( يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ الاَْمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : * ( ألم نكن معكم ) * في الدنيا والثاني : * ( ألم نكن معكم ) * في العبادات والمساجد والصلوات والغزوات ، وهذا القول هو المتعين . المسألة الثانية : البعد بين الجنة والنار كثير ، لأن الجنة في أعلى السماوات ، والنار في الدرك الأسفل ، فهذا يدل على أن البعد الشديد لا يمنع من الإدراك ، ولا يمكن أن يقال : إن الله عظم صوت الكفار بحيث يبلغ من أسفل السافلين إلى أعلى عليين ، لأن مثل هذا الصوت إنما يليق بالأشداء الأقوياء جداً ، والكفار موصوفون بالضعف وخفاء الصوت ، فعلمنا أن البعد لا يمنع من الإدراك على ما هو مذهبنا ، ثم حكى تعالى : أن المؤمنين قالوا بلى كنتم معنا إلا أنكم فعلتم أشياء بسببها وقعتم في هذا العذاب أولها : * ( ولكنكم فتنتم أنفسكم ) * أي بالكفر والمعاصي وكلها فتنة وثانيها : قوله : * ( وتربصتم ) * وفيه وجوه أحدها : قال ابن عباس : تربصتم بالتوبة وثانيها : قال مقاتل : وتربصتم بمحمد الموت ، قلتم يوشك أن يموت فنستريح منه وثالثها : كنتم تتربصون دائرة السوء لتلتحقوا بالكفار ، وتتخلصوا من النفاق وثالثها : قوله : * ( وارتبتم ) * وفيه وجوه الأول : شككتم في وعيد الله وثانيها : شككتم في نبوة محمد وثالثها : شككتم في البعث والقيامة ورابعها : قوله : * ( وغرتكم الأماني ) * قال ابن عباس : يريد الباطل وهو ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين * ( حتى جاء أمر الله ) * يعني الموت ، والمعنى